الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

169

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

واجتمعت كلمة المفسرين على أن أهل يثرب كانوا من أخبث الناس كيلا فقال جماعة من المفسرين : إن هذه الآية نزلت فيهم فأحسنوا الكيل بعد ذلك . رواه ابن ماجة عن ابن عباس . وكان ممن اشتهر بالتطفيف في المدينة رجل يكنى أبا جهينة واسمه عمرو كان له صاعان يأخذ بأحدهما ويعطي بالآخر . فجملة الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ إدماج ، مسوقة لكشف عادة ذميمة فيهم هي الحرص على توفير مقدار ما يبتاعونه بدون حق لهم فيه ، والمقصود الجملة المعطوفة عليها وهي جملة : وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ فهم مذمومون بمجموع ضمن الجملتين . والاكتيال : افتعال من الكيل ، وهو يستعمل في تسلم ما يكال على طريقة استعمال أفعال : ابتاع ، وارتهن ، واشترى ، في معنى أخذ المبيع وأخذ الشيء المرهون وأخذ السلعة المشتراة ، فهو مطاوع كال ، كما أن ابتاع مطاوع باع ، وارتهن مطاوع رهن ، واشترى مطاوع شرى ، قال تعالى : فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ [ يوسف : 63 ] أي نأخذ طعاما مكيلا ، ثم تنوسي منه معنى المطاوعة . وحق فعل اكتال أن يتعدى إلى مفعول واحد هو المكيل ، فيقال : اكتال فلان طعاما مثل ابتاع ، ويعدى إلى ما زاد على المفعول بحرف الجر مثل ( من ) الابتدائية فيقال : اكتال طعاما من فلان ، وإنما عدي في الآية بحرف عَلَى لتضمين اكْتالُوا معنى التحامل ، أي إلقاء المشقة على الغير وظلمه ، ذلك أن شأن التاجر وخلقه أن يتطلب توفير الربح وأنه مظنة السعة ووجود المال بيده فهو يستعمل حاجة من يأتيه بالسلعة ، وعن الفراء ( من ) و ( على ) يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه فإذا قال : اكتلت عليك ، فكأنه قال : أخذت ما عليك ، وإذا قال : اكتلت منك فكقوله : استوفيت منك . فمعنى : اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ اشتروا من الناس ما يباع بالكيل ، فحذف المفعول لأنه معلوم في فعل اكْتالُوا أي اكتالوا مكيلا ، ومعنى كالوهم باعوا للناس مكيلا فحذف المفعول لأنه معلوم . فالواوان من كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ عائدان إلى اسم الموصول والضميران المنفصلان عائدان إلى الناس .